ابن ملقن
102
طبقات الأولياء
ولقيه سكران ، فجعل يقبله ويقول : يا سيدي ! ولا يدفعه بشر عن نفسه ، فلما ولى تغرغرت عينا بشر ، وجعل يقول : رجل أحب رجلا على خير توهمه ! لعل المحب قد نجا ، والمحبوب لا يدرى ما حاله ! . قال أبو عبد اللّه المحاملي « 10 » : حدثني أبى قال : كان عندنا رجل من التجار صديقا لي ، وكان يقع في الصوفية كثيرا ، ثم رأيته بعد ذلك يصحبهم ، وينفق عليهم ماله . فقلت له : أليس كنت تبغضهم ؟ ! فقال : ليس الأمر على ما كنت أتوهم . فقلت له : كيف ؟ . قال : صليت يوما الجمعة ، فرأيت بشرا مسرعا خارجا من المسجد ، فقلت في نفسي : لأنظرن إلى هذا الزاهد ! . فاشترى خبز الماء بدرهم ، ثم شواء بمثله ؛ فزادنى غيظا . ثم فالوذجا بدرهم ؛ فتبعته فخرج إلى الصحراء ، وأنا أقول : يريد الخضرة والماء ! . فما زال يمشى إلى العصر وأنا خلفه ، فدخل مسجدا في قرية ، فيه مريض ، فجعل يلقمه . فقمت انظر إلى القرية وعدت ، فقلت للمريض : أين بشر ؟ . قال : ذهب إلى بغداد . قلت : كم بيني وبينها ؟ . قال : أربعون فرسخا . فقلت : إنا للّه ! فقال : اجلس حتى يرجع . فجاء الجمعة القابلة ، ومعه شيء يطعمه للمريض ، فلما فرغ قال له : يا أبا نصر ! هذا رجل صحبك من بغداد ، وهو عندي منذ جمعة . قال : فنظر إلى كالمغضب ، وقال : لم صحبتنى ؟ ! قلت : أخطأت ! قال : قم فامش ! . فمشيت إلى المغرب ، فلما قربنا من بغداد قال : اذهب إلى محلتك ولا تعد ! فتبت إلى اللّه مما كنت أعتقده فيهم ، ثم آثرت صحبتهم ، وأنا على ذلك « 11 » .
--> وذكر أيضا الخطيب هذا الخبر فقال : لما ماتت مضغة توجع عليها بشر توجعا شديدا وبكى بكاء كثيرا فقيل له في ذلك فقال : قرأت في بعض الكتب أن العبد إذا قصر في خدمة ربه سلبه أنيسه ، وهذه كانت أنيسى في الدنيا . ( 10 ) ذكر أبو نعيم في الحلية ( 8 / 395 ) إسناد هذه الرواية من طريق : أخبرني أبو عبد اللّه محمد بن حنيف الشيرازي الصوفي فيما كتب إلىّ ، حدثني أبو محمد عبد اللّه بن الفضل ، حدثني أبو عبد اللّه القاضي ، حدثني أبى . ( 11 ) ذكره أبو نعيم في الحلية ( 8 / 395 ، 396 ) .